حقوق وقدرات الدمج بين الواقع والمأمول، هل تقبلنا الإختلاف حقًا؟


✍️مروةصبرى ،،،
الأربعاء10يونيو2026/ 10:10م
عندما نتحدث عن دمج الأطفال ذوي الإعاقة في المدارس، يظن البعض أننا نتحدث فقط عن وجود مقعد داخل الفصل الدراسي أو اسم مُدرج في كشوف المدرسة. لكن الدمج الحقيقي أكبر من ذلك بكثير، فهو قبول وإحترام ومشاركة وإنتماء.
فالدمج ليس قرارًا إداريًا، بل ثقافة مجتمعية تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المدرسة والشارع ومكان العمل.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم،
هل تقبلنا وجود طلاب الدمج بالفعل أم أننا ما زلنا نتعامل معهم باعتبارهم مختلفين؟
من خلال عملي في مجال التخاطب والتربية الخاصة، واحتكاكي اليومي بالأطفال وأسرهم، أستطيع أن أؤكد أن التحدي الأكبر الذي يواجه طفل الدمج ليس الإعاقة ذاتها، بل نظرة المجتمع إليه.
كم من طفل عاد إلى منزله حزينًا لأنه تعرض للسخرية من زملائه؟
وكم من أسرة عادت تبكي بعد أن شعرت أن طفلها غير مرحب به داخل المدرسة؟
وكم من طفل فقد ثقته بنفسه بسبب كلمة أو موقف أو نظرة جعلته يشعر بأنه أقل من الآخرين؟
ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الدولة في ملف الدمج، ما زلنا نرى بعض الممارسات التي تفرغ فكرة الدمج من مضمونها الحقيقي. فهناك أطفال يتم وضعهم في فصول منفصلة داخل المدرسة، أو التعامل معهم باعتبارهم عبئًا إضافيًا، أو عزلهم عن الأنشطة والمشاركات الاجتماعية.
وفي أحيان أخرى، يتم تخصيص لجان إمتحانية منفصلة بصورة تجعل الطفل يشعر بأنه مختلف عن أقرانه، دون مراعاة الأثر النفسي الذي قد يترتب على ذلك.
إن الطفل يدرك أكثر مما نتخيل. فهو يشعر عندما يتم استبعاده، ويفهم عندما يتم عزله، ويتألم عندما يتم التعامل معه باعتباره حالة خاصة وليس إنسانًا له الحق في القبول والإنتماء.
ولا يتوقف الأمر عند الطفل وحده، بل يمتد أثره إلى الأسرة بأكملها،فكثير من الآباء والأمهات يعيشون حالة من القلق المستمر خوفًا على أبنائهم من التنمر أو الرفض أو التمييز.
وبعضهم يضطر إلى تغيير المدرسة أكثر من مرة بحثًا عن بيئة أكثر احتواءً وتقبلًا.
إن التنمر ضد طفل الدمج ليس مجرد مزحة عابرة كما يعتقد البعض، بل قد يترك آثارًا نفسية عميقة تتمثل في انخفاض تقدير الذات، والعزلة الإجتماعية، والقلق، والخوف من المدرسة، وفقدان الدافعية للتعلم.
ولهذا فإن نجاح الدمج لا يقاس بعدد الأطفال المقبولين في المدارس، وإنما يقاس بمدى شعورهم بالأمان والانتماء والاحترام داخلها.
فالمدرسة الدامجة ليست تلك التي تسمح للطفل بالدخول فقط، بل التي توفر له بيئة إنسانية تحترم اختلافه، وتساعده على بناء صداقات، وتنمي قدراته، وتمنحه فرصة حقيقية للمشاركة.
كما أن مسؤولية الدمج لا تقع على المدرسة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمعلمين والأخصائيين والإعلام والمؤسسات المجتمعية. فكلما زاد الوعي بقيمة الاختلاف وتقبل الآخر، أصبح الدمج أكثر نجاحًا وفاعلية.
إننا لا نطالب بمعاملة استثنائية لأطفال الدمج، بل نطالب بحقهم الطبيعي في أن يُنظر إليهم كأطفال أولًا، لهم أحلامهم ومواهبهم وقدراتهم، ويستحقون الاحترام والتقدير مثل أي طفل آخر.
فالدمج الحقيقي لا يعني أن نجلس الأطفال في مكان واحد، بل أن نجعلهم يشعرون أنهم ينتمون إلى المكان نفسه.
وحين ننجح في ذلك، نكون قد دمجنا القلوب والعقول قبل أن ندمج المقاعد داخل الفصول.




