عندما يســـــكن الصمــــت بيوتنــــــــا

✍️ مـــــــــــروة صبــــــــــــرى ،،،
السبت27يونيو2026/ 10:10ص
في زمن أصبح فيه العالم كله بين أيدينا بضغطة زر، فقد الكثير منا القدرة على الوصول إلى أقرب الناس إليه.
نجلس على مائدة واحدة، لكن كل منا يعيش في عالم مختلف.
نتشارك المنزل نفسه، لكننا لا نتشارك المشاعر نفسها، نتحدث كثيرًا ونستمع قليلًا، ونرى بعضنا كل يوم دون أن ننتبه لما يدور داخل قلوب بعضنا.
إن من أخطر القضايا الإجتماعية التي تواجه الأسرة اليوم ليس الفقر، ولا ضغوط الحياة، ولا حتى كثرة المسؤوليات، بل ذلك الغياب العاطفي الصامت الذي يتسلل إلى البيوت دون استئذان.
ذلك النوع من الغياب الذي يجعل الطفل يشعر بالوحدة رغم وجود والديه. ويجعل الزوجين يعيشان معًا سنوات طويلة دون حوار حقيقي. ويجعل المراهق يبحث عن الاحتواء خارج منزله لأنه لم يجده داخله.
إن كثيرًا من المشكلات السلوكية والنفسية التي نراها اليوم لا تبدأ من المدرسة، ولا من الشارع، بل تبدأ من فراغ عاطفي داخل البيت.
فالطفل الذي يصرخ قد لا يكون عنيدًا… وربما يكون فقط بحاجة لمن يسمعه.
والطفل الذي يقضي ساعات طويلة على الهاتف قد لا يكون مدمنًا، وربما يبحث عن إهتمام افتقده.
والمراهق الذي يرفض الحديث مع أسرته قد لا يكون متمردًا بل ربما تعب من محاولات لم تجد من يفهمها.
المؤلم أن بعض الآباء والأمهات يظنون أن توفير الطعام والملابس والتعليم يكفي لصناعة طفل سوي نفسيًا.
بينما الحقيقة أن الطفل يحتاج إلى كلمة حانية كما يحتاج إلى الطعام. ويحتاج إلى حضن مطمئن كما يحتاج إلى الدواء. ويحتاج إلى الإنصات كما يحتاج إلى التعليم.
إن أبناءنا لا يتذكرون عدد الأموال التي أنفقناها عليهم بقدر ما يتذكرون الوقت الذي منحناه لهم، والكلمات التي قلناها لهم، والمواقف التي شعروا فيها أنهم مهمون في حياتنا.
لذلك أدعو كل أسرة اليوم إلى التوقف قليلًا وسط زحام الحياة.
اجلسوا مع أبنائكم. استمعوا إليهم. اسألوهم عن مشاعرهم قبل درجاتهم. وعن أحلامهم قبل واجباتهم. وعن مخاوفهم قبل أخطائهم.
فالعلاقة القوية بين أفراد الأسرة ليست رفاهية ، بل هي خط الدفاع الأول ضد كثير من المشكلات النفسية والسلوكية التي نعاني منها اليوم.
قد لا نستطيع أن نمنح أبناءنا حياة خالية من الصعوبات، لكننا نستطيع أن نمنحهم بيتًا يشعرون فيه بالأمان.
وقد لا نستطيع أن نحل كل مشكلاتهم، لكننا نستطيع أن نكون الملجأ الذي يعودون إليه كلما أثقلتهم الحياة.
فالأســــــرة ليست جــــدرانًا تجمعــــنا ،بل قلوبًــــــا تحتـــــــوينا.
وحين يغيب الإحتـــــــواء، يصبح الحضـــــور مجــــرد وجــــــود.




