الرئيس الصيني يكتب، إطلاق مسيرة جديدة بهمة وعزيمة بعد 70 عاما من التآزر والتضامن

✍️ الرئيس/شي جين بينج ،،،رئيس جمهورية الصين الشعبية
الثلاثاء 1 سبتمبر 2026 / 07:30ص
إنها زيارتي الثانية لهذه الأرض الخصبة التي يُغذيها نهر النيل منذ تولي منصب رئيس جمهورية الصين الشعبية.
ويقول المثل المصري “من يشرب مياه نهر النيل، يعود إليه مرة ثانية” في زيارتي السابقة لمصر قبل 10 سنوات، تركت مصر بحضارتها العريقة والمتجذرة وزخمها نحو التقدم والإزدهار إنطباعًا عميقًا في ذهني.
وفي هذه الزيارة، أتطلع إلى تبادل أطراف الحديث مع فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي حول سبل تعزيز الصداقة والتعاون، بما يرسم خطوطًا عريضة جديدة لتعميق علاقات الشراكة الإستراتيجية الشاملة القائمة بين الصين ومصر.
يقول المثل الصيني القديم “الإخلاص للأصدقاء يُقرب قلوبهم رغم المسافة الطويلة بينهم”، قد ساهمت كل من الصين ومصر، بإعتبارهما صاحبتى حضارة عريقة، بالثروة الروحية الثمينة والكنوز الثقافية الرائعة في تنمية المجتمع البشري.
كانت الحضارة الصينية التي ولدت من رحم نهر يانجتسي والنهر الأصفر والحضارة المصرية القديمة التي ولدت من رحم نهر النيل، تتبادلان الإعجاب ببعضهما البعض رغم البعد الجغرافي بينهما، حيث تنقل الخزف والحرير والتطريز وتقنيات صنع الورق والصهر والصب من الصين إلى الغرب، وتدفقت التوابل والزجاجات وعلوم الفلك والتقويم من مصر إلى الشرق، وذلك عبر طريق الحرير القديم برًا وبحرًا الذي يمتد لالآف السنين، ولم يشهد أي توقف لخطوات التبادل الودي بين الجانبين.
كانت القطع الأثرية الصينية المتميزة التي تم إستخراجها من موقع الفسطاط الأثري المصري دليلا على الروابط الوثيقة والصداقة العميقة التي نشأت بين الشعبين الصيني والمصري منذ القدم.
أقامت الصين ومصر العلاقات الدبلوماسية بشكل رسمي قبل 70 عامًا، مما فتح بوابة الصداقة والتعاون بين جمهورية الصين الشعبية والدول العربية والإفريقية على مدى 70 عامًا حافلًة بالتحديات والصعوبات التي تم تجاوزها، كما صمدت العلاقات الصينية المصرية أمام إختبار تغيرات الأوضاع الدولية، وظلت تحافظ على إتجاه تطورها بدون إنحراف وطبيعتها بدون تغيير وديناميكيتها بدون تراجع، وقد أصبحت نموذجا يحتذى به للتعاون الجماعي بين الصين والدول العربية والإفريقية وقدوة للتعايش الودي والتضامن والتعاون بين الدول النامية.
ظلت الصين ومصر أخوين حميمين يتآزران ويتساندان لبعضهما البعض، ونشأت الصداقة العميقة بين شعبي البلدين في نضالهما لتحقيق الإستقلال الوطني ومقاومة الإمبريالية والإستعمار.
أبدت الصين تضامنًا قويًا مع مصر في نضالها لإستعادة سيادتها على قناة السويس، وفي المقابل، صوتت مصر بموقف ثابت مع عدد كبير من الدول الآسيوية والإفريقية ودول أمريكا اللاتينية لصالح الصين في نضال الأخير لإستعادة مقعده الشرعي في الأمم المتحدة واليوم، يتبادل الجانبان الصيني والمصري الدعم الثابت لجهود الجانب الآخر في السير على الطريق التنموي الذي يتماشى مع ظروفه الوطنية، ويتبادلان الدعم الثابت للمصالح الحيوية والانشغالات الكبرى للجانب الآخر، مما أرسى أساسًا متينًا لتطوير علاقات الشراكة الادإستراتيجية الشاملة بين البلدين.
ظلت الصين ومصر شريكين موثوقين يسعيان إلى الكسب المشترك من خلال التعاون. تعتبر مصر شريكا تجاريًا وإستثماريًا مهمًا للصين في العالم العربي وإفريقيا، وهي من أوائل الدول التي شاركت في التعاون في بناء “الحزام والطريق”.
إن منطقة السويس للتعاون الإقتصادي والتجاري بين الصين ومصر التي رفَعتُ أنا وفخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي الستار عنها سويًا قبل 10 سنوات، أتت بإستثمارات ضخمة وفرص عمل واسعة لمصر، الأمر الذي أسهم في تسريع عملية التحديث في مصر.
كما أنجزت الشركات الصينية في مصر أعلى مبنى وأول قطار مكهرب في القارة الإفريقية وأصبح البرتقال الطازج المصري من أول دفعة للمنتجات الإفريقية التي دخلت سوق الصين بعد تنفيذ سياسة الإعفاء من الرسوم الجمركية على واردات الدول الإفريقية التي لها العلاقات الدبلوماسية مع الصين، وذلك يدل على أن نتائج التعاون المتبادل والمنفعة بين البلدين في كافة المجالات قد عادت بالنفع على أبناء الشعبين على نطاق واسع.
ظلت العلاقات الصينية المصرية نموذجًا ناجحًا للصداقة والإستفادة المتبادلة وتعتبر مصر أول دولة عربية وإفريقية وقعت مع جمهورية الصين الشعبية على إتفاقية بشأن التعاون الثقافي، وتكون التبادلات الشعبية والثقافية بين البلدين متنوعة ومزدهرة، حيث إستقطب المتحف المصري الكبير وغيره من المعالم المصرية عددًا كبيرًا من السياح الصينيين، ولقي “معرض الحضارة المصرية القديمة” الذي أقامه متحف شانغهاي في العام الماضي رواجًا كبيرًا، وتم تدريس اللغة الصينية في أكثر من 40 مدرسة ثانوية في مصر، وإستفاد عدد كبير من المصريين من تعاون البلدين في مجال التعليم المهني.
فضلا عن تقارب الحضارتان الكبيرتان بإطراد رغم حواجز المكان والزمان، بما يسجل فصولًا من الصداقة بين الشعبين جيلًا بعد جيل بإستمرار.
ظلت الصين ومصر صديقين مخلصين يتمسكان بالمساواة والثقة المتبادلة وفي مؤتمر باندونغ المنعقد في عام 1955، كانت الصين ومصر تدعمان بنشاط النضال ضد الإمبريالية والإستعمار، وتعملان سويا على تعزيز التضامن بين الدول الآسيوية والإفريقية.
في الوقت الراهن، تربط الصين ومصر الأهداف والمساعي المشتركة في الحفاظ على النظام الدولي والدعوة إلى الإنصاف والعدالة وتطبيق تعددية الأطراف، إذ أن كلا من الجانبين يدعم بثبات القضية العادلة للشعب الفلسطيني لإستعادة حقوقه الوطنية المشروعة، ويسعى إلى إيجاد حلول سياسية للقضايا الساخنة وتحقيق السلام والإستقرار في المنطقة، الأمر الذي يجسد مسؤوليتهما بإعتبارهما من دول الجنوب العالمي للتضامن وتقوية الذات والإلتزام بالإنصاف والعدالة.
يمر كل من الصين ومصر بالمرحلة الحاسمة من التنمية والنهضة،
وحققت الصين بداية جيدة في تنفيذ “الخطة الخمسية الخامسة الإقتصادية والإجتماعية الوطنية”، وهي تعمل جاهدة على خلق وضع جديد للتحديث الصيني النمط.
أما مصر فتشهد تطورًا مزدهرًا في بناء “الجمهورية الجديدة”، وهي تمضي قدما نحو أهداف “رؤية مصر 2030” بخطوات واثقة.
وفي هذا السياق، يحرص الجانب الصيني على بذل جهود مشتركة مع الجانب المصري لتعميق علاقات الشراكة الإستراتيجية الشاملة بينهما، والدفع ببناء المجتمع الصيني المصري للمستقبل المشترك، والعمل يدا بيد على تحقيق التحديث.
علينا أن نعزز الثقة المتبادلة ونكون قدوة في توارث الصداقة، بما أن الصداقة الصينية المصرية نشأت بأيدي الجيل القديم من قادة البلدين، فيُعد بتوارث هذه الصداقة وتطويرها وتكريسها على نحو جيد.
وفي هذا السياق، ينبغي لنا مواصلة تبادل دعم المصالح الجوهرية والهموم الكبرى لبعضنا البعض، وتكثيف التواصل والتعاون بيننا في كافة المجالات وعلى مختلف المستويات، ونقل التتابع من الصداقة الصينية المصرية جيلا بعد جيل.
علينا أن نحقق المنفعة المتبادلة والكسب المشترك ونكون قدوة من التنمية المشتركة، إن الصين تمتلك أكبر المنظومات الصناعية وأكثرها تكاملا في العالم وتتمتع بالمزايا من حيث الأموال والتكنولوجيا والمعدات.
أما مصر فتتمتع بعدد السكان الكبير والموارد الوافرة والسوق الواسعة. في هذا السياق، ينبغي للجانبين تعميق المواءمة بين الإستراتيجيات التنموية، والعمل على التعاون في بناء “الحزام والطريق” بالجودة العالية، وتوظيف الإمكانيات الكامنة للتعاون، وتوسيع مجالات التعاون العملي، بما يضخ قوة دافعة لا تنضب للتعاون المتبادل المنفعة بين البلدين.
علينا أن نعتز بمزايانا الحضارية ونكون قدوة من التواصل الحضاري، وينبغي للصين ومصر، بإعتبارهما أصحاب حضارة عريقة، تكريس مفهوم الحضارة المتمثل في المساواة والإستفادة المتبادلة والحوار والتسامح، وتطبيق مبادرة الحضارة العالمية، والعمل على حماية الآثار الثقافية للبشرية، وبذل جهود مشتركة للدفع بالتعايش المنسجم بين مختلف الحضارات.
وينبغي تعميق التواصل والتعاون بين الجانبين في مجالات مثل التعليم، والسياحة ، والعلوم ، والتكنولوجيا ، والصحة ، والرياضة ، وعلم الآثار، بما يشد روابط التعارف والتقارب بين الشعبين، ويضفي ديناميكية جديدة ومستمرة على تطور علاقات الشراكة الإستراتيجية الشاملة الصينية المصرية، ويحشد قوة حضارية أكثر لدفع بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية.
علينا أن نمضي قدما إلى الأمام كتفا بكتف ونكون طليعة للحفاظ على العدالة والإنصاف، في الوقت الحالي، تتطور التغيرات التي لم يشهدها العالم منذ مائة سنة بشكل متسارع، وتتشابك التحولات والإضطرابات في الأوضاع الدولية. في ظل هذه الظروف، ينبغي للصين ومصر، بصفتهما دولتين ناميتين كبيرتين وعضوين مهمين للجنوب العالمي، أن تنفذا تعددية الأطراف الحقيقية، وتعززا التنسيق والتعاون في الساحة المتعددة الأطراف، وتبذلا جهودا مشتركة لتطبيق المبادرات العالمية الأربع على نحو جيد، وتعملا على صون السلام والادإستقرار في العالم والدفاع عن العدالة والإنصاف الدوليين.
علينا أن نتضامن بروح الفريق الواحد ونكون روادا لقيادة التعاون الصيني العربي والتعاون الصيني الإفريقي.
إن مصر، كدولة عربية وإفريقية كبيرة، تلعب دورًا مهمًا في دفع التعاون الجماعي بين الصين والدول العربية وبين الصين والدول الإفريقية ويحرص الجانب الصيني على بذل جهود مشتركة مع الجانب المصري في توسيع نطاق التأثير النموذجي للتعاون الصيني المصري الناضج، وتوظيف الميزة الجغرافية الفريدة لمصر كحلقة وصل للعالم العربي وبوابة للقارة الإفريقية، والدفع على نحو معمق بتشكيل “معادلات التعاون الخمس” بين الصين والدول العربية وخطط الأعمال العشرة للشراكة بين الصين وإفريقيا من أجل الدفع المشترك بالتحديث، بما يدفع التعاون الصيني العربي والتعاون الصيني الإفريقي لمواكبة العصر والتقدم إلى الأمام بخطوات مستقرة ومستدامة.
تتطلب المسيرة الجديدة العمل الجاد بعد 70 عامًا من التآزر والتضامن. إن الجانب الصيني إستعداد للعمل مع الجانب المصري على التمسك بالغاية الأصلية ومتابعة أعمال الأسلاف وفتح آفاق للمستقبل، وتبادل الدعم بعزم لا يلين في طريق مؤدٍى إلى النهضة والإزدهار، والعمل سويًا على خلق مستقبل أكثر إشراقًا لتنمية البلدين والعلاقات الثنائية.




