أسطورة شارع النبى دانيال الذي يبتلع البشر في الإسكندرية بين التفسير العلمى والمرويات الشعبية!


✍️ محمـــــــــد حســــــــــــان ،،،
الخميس27 أغسطس2026/ 10:05م
في خريف عام 1977، إنتفضت الإسكندرية بواقعة غامضة هزت أرجاء المدينة، عروس شابة تسمى ، ميرفت إنشقت الأرض تحت قدميها فجأة أثناء سيرها في شارع النبي دانيال، لتستمر فرق البحث خمسة عشر يومًا في محاولة الوصول إليها.
لم تكن القصة محض خيال من حكايات الرعب، إذ تبين لاحقا أنه حادث سقوط في فجوة أرضية، غير أن الوجدان الشعبي سرعان ما نسج حولها واحدة من أشهر الأساطير التي تناقلتها الأجيال حول حوادث إختفاء متكررة وأن الشارع التاريخي أحيانا يبتلع البشر.
الأرض إنشقت وبلعته ،حكايات الخيال الجمعي
توضح الباحثة ياسمين حسين، في محاضرة من أرشيف مركز الدراسات السكندرية بعنوان رحلة في تاريخ وأساطير شارع النبي دانيال، أن اختفاء العروس ميرفت وهي واقعة حقيقية، تحولت إلى نقطة إنطلاق لترسيخ مرويات شعبية تفسر حوادث الإختفاء بالعبارة الدارجة، الأرض إنشقت وبلعتها.
وإستعرضت الباحثة حكايات شفهية متداولة عكست هوس البعض بوجود عالم سفلي مجهول، من بينها قصة بائع متجول كان يتجاذب أطراف الحديث مع إحدى السيدات وفجأة هوى في حفرة مباغتة إختفى على إثرها تمامًا دون العثور له على أثر، فضلًا عن الرواية الشائعة حول مقهى قديم بالشارع يستقر بأرضيته غطاء بالوعة يزعم رواده أن تحته صهريج ضخم وممرات تمتد لمسافات بعيدة وصولًا إلى مياه البحر المتوسط.
إختفاء صبي في سراديب سيزوستريس ومتاهة عمود السواري
إمتدت تلك المرويات الشعبية لتنسج تفاصيل أكثر إثارة حول ترابط شبكات باطن الأرض بالإسكندرية ، حيث يروي الأهالي حكاية صبي نزل في فتحة أسفل منزله بشارع سيزوستريس أثناء لهوه مع أقرانه، ليظل تائهًا داخل شبكة ممرات مظلمة تحت الأرض لمدة يومين، قبل أن يخرج فجأة عند مسجد وضريح سيدي عبد الرزاق الوفائي بشارع النبي دانيال، وهي مسافة شاسعة يصعب على طفل قطعها بمفرده.
وتعارضت تلك الحكايات مع ما ورد في إحدى التغطيات الصحفية المنشورة عام 2017 حول وجود فوهة أسفل أحد المباني القديمة المعروفة بالشارع، تقود سراديبها المتشعبة تحت الأرض وصولًا إلى عمود السواري، وهي تفاصيل تؤكد الباحثة أنها تندرج ضمن المأثور الفلكلوري الشفهي دون وجود توثيق مادي يحسم صحتها.
هندسة الصهاريج، حقيقة العالم السفلي لشارع النبي دانيال
فندت الباحثة ياسمين حسين الأبعاد الخرافية لتلك الحوادث بإعادتها إلى الطبيعة الجيولوجية والأثرية للمدينة؛ فالإسكندرية القديمة بُنيت بنظام الطبقات الحضارية المتراكمة فوق بعضها، وشهدت على مر تاريخها زلازل وأمواج تسونامي وهبوطًا متكررًا في التربة، وتحولت في بعض العصور إلى شبه صحراء مهجورة عند تعطل شبكات نقل وتخزين المياه.
وتشير خريطة محمود باشا الفلكي لعام 1866 إلى أن الشارع كان المحور الطولي الرئيسي للمدينة الحامل لرمز R5، وهو ما أكدته خريطة أدرياني لمعالم الشارع أواخر العصر الروماني، فيما أثبتت الحفريات الأثرية لإيفاريستو بريتشيا عام 1929 والبولندي كازيميرز ميكالوفسكي عام 1958 وجود أعمدة وسراديب وصهاريج مياه ضخمة أسفل جامع النبي دانيال ومسجد سيدي عبد الرزاق
وهكذا اختفت العروس فى فخامة المياه الجوفية.
أدى تآكل جدران تلك الصهاريج القديمة وتدفق المياه الجوفية على مدى قرون إلى خلق فجوات وتجويفات هشة أسفل طبقات الرصف الحديثة، مما يجعل التربة عرضة لإنخسافات مفاجئة كتلك التي إبتلعت العروس ميرفت.
ولم تكن تلك الظاهرة بعيدة عن العصر الحالي، إذ شهد عام 2010 تكرارًا للمشهد ذاته عندما تسبب هبوط أرضي مفاجئ في ميل وشبه انهيار عقار ملاصق لمسجد النبي دانيال، مما أثر مباشرة على جدران المسجد التاريخي ودفع السلطات لإغلاقه مؤقتًا لدرء الخطر وترميم بنيانه.
ورغم ما نسجه الخيال الجمعي من حكايات أسطورية حول إبتلاع الأرض للمارة، يرى أغلب الباحثين والمؤرخين أن حوادث الهبوط الأرضي المتكررة في شارع النبي دانيال تجد تفسيرها العلمي في طبيعة بنيته التحتية القديمة؛ فالصهاريج القديمة والسراديب المنسية أسفل الشارع هي التي شكلت بعض الفجوات والشقوق بمرور الزمن، بينما تكفلت الذاكرة السكندرية بتحويل تلك الوقائع إلى مرويات شعبية تتناقلها الأجيال جيلا وراء جيل !




