فك شفرة الزكام العنيد لماذا يستوطن البرد أجسام البعض ويغادر أجساما أخرى سريعاً؟

هيام حيدر ،،،
الثلاثاء 16-12-2025 | 12:25م
فك شفرة الزكام العنيد لماذا يستوطن البرد أجساد البعض ويغادر أخرى سريعاً؟
يُعدّ الزكام، أو ما يُعرف بنزلات البرد الشائعة، من أكثر الأمراض انتشاراً وإزعاجاً على مدار العام، خاصة مع تقلبات الطقس. وفي حين قد يتخلص البعض من الأعراض المزعجة كالسعال والعطس والتهاب الحلق في غضون أيام قليلة، يجد آخرون أنفسهم يكافحون هذه الأعراض لأكثر من أسبوعين، لأسباب تباين مدة نزلات البرد بين الأشخاص، أوضح الدكتور ياسر محمد، أستاذ أمراض الصدر بكلية طب عين شمس، أن العامل الحاسم في تحديد سرعة التعافي هو كفاءة وقوة الجهاز المناعي للفرد في مواجهة الفيروس المهاجم. فالجهاز المناعي هو خط الدفاع الأول والأخير، وكلما كان جاهزًا وسريع الاستجابة، كانت مدة الأعراض أقصر وأقل حدة، والعكس صحيح. هذه الكفاءة تتأثر بشكل مباشر بالنمط الحياتي والصحي العام للشخص في الفترة التي سبقت الإصابة بالعدوى.
وقال الدكتور ياسر محمد، إن الأشخاص الذين يعانون من ضعف مناعي، سواء كان وراثيًا أو مكتسبًا نتيجة لظروف صحية مزمنة مثل السكري غير المنضبط أو أمراض المناعة الذاتية، هم الأكثر عرضة لاحتضان الفيروس لفترة أطول. هذا الضعف يجعل عملية تطهير الجسم من الجزيئات الفيروسية تستغرق وقتاً أطول، مما يطيل من فترة ظهور الأعراض المزعجة. كما أشار إلى أن الإجهاد المزمن والتوتر النفسي يلعبان دوراً خفياً لكنه بالغ الأهمية في إضعاف القدرة المناعية للجسم، مما يسمح للفيروس بالتمادي.
وأضاف الدكتور ياسر محمد أن طول مدة الأعراض قد لا تعود دائماً إلى نوبة برد عادية، بل قد تكون مؤشراً على تشخيص خاطئ للحالة الأولية، أو تطور مضاعفات ثانوية تستدعي علاجاً مختلفاً. ففي بعض الأحيان، تكون الأعراض المطولة ناجمة عن عدوى فيروسية أخرى أكثر شراسة، مثل الإنفلونزا أو حتى بعض المتحورات الجديدة لفيروس كورونا التي تتشابه أعراضها الأولية مع نزلات البرد الشائعة، ولكنها تستغرق وقتاً أطول للتعافي.
واستطرد موضحاً أن المضاعفات البكتيرية هي سبب رئيسي لاستمرار الأعراض لأكثر من عشرة أيام. فبعد ضعف البطانة المخاطية للجهاز التنفسي بفعل الفيروس، تصبح عرضة للغزو البكتيري، مما يؤدي إلى تطور التهاب الجيوب الأنفية البكتيري أو التهاب الشعب الهوائية، أو حتى التهاب الأذن الوسطى. هذه الالتهابات الثانوية تحتاج إلى تدخل علاجي إضافي، وغالباً ما تتطلب مضادات حيوية، وتؤدي حتماً إلى إطالة أمد المرض بشكل كبير وتفاقم شدة الأعراض، خاصة السعال والاحتقان.
ولفت الدكتور محمد إلى أن وجود أمراض تنفسية مزمنة، مثل الربو أو مرض الانسداد الرئوي المزمن يغير الموضوع تماماً عند الإصابة بنزلة برد. فالفيروس لا يجد جهازاً تنفسياً سليماً لمقاومته، بل يجد مسالك هوائية ملتهبة وحساسة بالفعل، مما يؤدي إلى تفاقم الأعراض الأساسية للمرض المزمن، مثل السعال وضيق التنفس، ويطيل من فترة النقاهة. هؤلاء المرضى يحتاجون إلى رعاية مكثفة وإجراء تعديلات على خطط علاجهم الأساسية أثناء فترة الزكام.
كما أشار إلى دور العوامل البيئية والسلوكية في استمرار المرض. فالأشخاص الذين لا يلتزمون بالراحة الكافية ويواصلون ممارسة أنشطتهم اليومية أو الرياضية العنيفة أثناء المرض يعيقون عملية تعافي أجسادهم. وحذر من أن عدم الحصول على ساعات نوم كافية، وسوء التغذية، والتدخين سواء كان مباشراً أو سلبياً يعمل كمثبط لجهاز المناعة، ويهيج الممرات الهوائية، مما يضمن استمرار السعال والبلغم لفترة أطول بكثير مما هو طبيعي، وهذا يفسر لماذا يعاني المدخنون بشكل خاص من نزلات برد مطولة.
واستكمل الدكتور ياسر محمد حديثه بتقديم مجموعة من التوصيات التي تهدف إلى تقصير مدة نزلات البرد وتعزيز التعافي السريع. وأكد على ضرورة دعم الجسم خلال فترة المرض من خلال التركيز على السوائل الدافئة والراحة المطلقة، وتجنب الإجهاد البدني والنفسي. كما شدد على أهمية تناول الأطعمة الغنية بفيتامين C والزنك، التي تساعد في دعم وظائف الجهاز المناعي في مقاومة العدوى الفيروسية.
وختاماً، يوضح الدكتور ياسر محمد أن الزكام الذي يستمر لأكثر من عشرة إلى أربعة عشر يوماً، أو يرافقه ارتفاع شديد في درجة الحرارة، أو ضيق في التنفس، أو آلام حادة في الصدر، يجب ألا يُعامل كمجرد برد، ونصح بضرورة استشارة الطبيب في هذه الحالات فوراً لتقييم الوضع الصحي، والتأكد من عدم وجود مضاعفات بكتيرية أو تطور لحالة أكثر خطورة تتطلب تدخلاً علاجياً متخصصاً، لضمان التعافي الكامل والسريع وتجنب الآثار الجانبية طويلة المدى.



