عربي وعالمي

اسرار حفظ الاغذية عند الفراعنة


كتب د : عبدالعزيز الجداوي
اسرار حفظ الاغذية عند الفراعنة
بمناسبة افتتاح المتحف المصري الكبير نذكر لكم الأسرار العلمية لحفظ الأغذية
لطالما مثّلت الحضارة المصرية القديمة نموذجاً للبراعة والابتكار، ولم يكن مجال حفظ الأغذية استثناءً. ففي بيئة جافة وحارة، ومع ضرورة إدارة الموارد الغذائية خلال مواسم الفيضان، طور المصريون تقنيات ذكية وطبيعية لضمان استدامة مؤنهم، وهي طرق لا تزال مبادئها العلمية تُدرَّس حتى اليوم. لقد كان الفراعنة رواداً في تكنولوجيا الأغذية الطبيعية، مستغلين البيئة المحيطة لتأمين الغذاء.
أولاً: *طرق الحفظ الرئيسية وتطبيقاتها التاريخية*
اعتمد المصريون القدماء على ثلاث تقنيات أساسية للحفظ، ثبتت فعاليتها عبر آلاف السنين:
١.** التجفيف (Dehydration)**
كان هذا الأسلوب هو الأكثر شيوعاً، ويقوم على مبدأ تقليل النشاط المائي في الطعام. فالكائنات الحية الدقيقة المسببة للتلف تحتاج إلى رطوبة للنمو، وإزالتها يوقف تكاثرها ويثبط عمل الإنزيمات المسببة لتغيرات النكهة واللون.
واستُخدمت قوة الشمس لتجفيف الفواكه مثل التين، العنب (الزبيب)، والتمر. كما جُففت بعض الخضروات كالبامية والملوخية. أما اللحوم والأسماك، فكانت تُقطع إلى شرائح وتُعرَّض للشمس أو الدخان حتى تجف تماماً.
* *تخزين الحبوب*:
بعد التجفيف الجيد، كانت الحبوب مثل القمح والشعير تُخزن في صوامع ضخمة أو أوانٍ فخارية محكمة الإغلاق، لضمان استمرار انخفاض النشاط المائي.
٢. *التمليح (Salting)*
اشتهر المصريون القدماء ببراعتهم في استخدام الملح البحري الخشن، وهي تقنية تعتمد على ظاهرة الضغط الأسموزي (Osmotic Pressure).
* المبدأ العلمي: يؤدي تغطية الطعام بالملح إلى خلق تركيز ملحي عالٍ خارج خلايا الكائنات الحية الدقيقة. هذا التركيز يسحب الماء من داخل الخلايا البكتيرية عبر التناضح (Osmosis)، مما يؤدي إلى جفاف وموت الميكروبات (Drying out of the cell) وتوقف عملية التلف.
وكان التمليح أساسياً لحفظ الأسماك (التي نتج عنها ما يُعرف بالفسيخ)، وكذلك لحفظ اللحوم، حيث كان الملح يعمل كمادة سحب قوية للرطوبة.
٣. *استخدام المواد الطبيعية الحافظة*
إلى جانب الملح والحرارة، استخدم الفراعنة مواد عضوية ذات خصائص حافظة:
* * العسل (Honey): *
استُخدم لحفظ الأسماك وبعض الأطعمة لسببين رئيسيين:
* تركيز السكر العالي: يعمل كالملح ويسبب ضغطاً أسموزياً عالياً يسحب الماء من البكتيريا.
* الحموضة الطبيعية (pH منخفض): يتميز العسل بحموضة طبيعية (قد تصل إلى 3.2) وهي بيئة غير مناسبة لنمو معظم البطاريات الممرضة.
* التخزين في الدهون :
كانت اللحوم تُحفظ مغمورة في الدهن أو الزيت، مما يوفر حاجزاً هوائياً يمنع وصول الأكسجين إلى الطعام، وبالتالي يثبط نمو البكتيريا الهوائية.
ثانياً: إدارة التخزين الذكية
لم يقتصر الحفظ على معالجة الغذاء نفسه، بل شملت عبقرية المصريين أساليب التخزين التي توفر الحماية البيئية:
* الصوامع وأواني التخزين: استخدموا الأواني الفخارية المغلقة لتخزين الحبوب والسوائل (كالنبيذ). إحكام الغلق قلل من تبادل الغازات والرطوبة مع الخارج ومنع التلوث.
* التخزين تحت الأرض:
ساعدت صوامع الغلال تحت الأرض في الحفاظ على درجة حرارة ثابتة ومنخفضة نسبياً، مما أبطأ بشكل طبيعي من معدل تلف الحبوب.
* التخزين في الرمال:
بعض المنتجات كانت تُخزن في أوانٍ توضع في الرمال، التي توفر بيئة معزولة حرارياً وتساعد في الحفاظ على برودة نسبية.
إن هذه التقنيات المتقنة لم تكن مجرد ممارسات يومية، بل كانت دليلاً قوياً على فهم الفراعنة المذهل للمبادئ الأساسية في كيمياء الغذاء وتكنولوجيا التصنيع الغذائي والأحياء الدقيقة، مما ضمن استقرار وتغذية إحدى أعظم الحضارات في التاريخ.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى