الصحة والتعليم

ضرورة العودة إلى الأكل الفلاحي لانه دفاعنا الأخير ضد التلوث الجيني والكيميائي


دكتور عبد العزيز الجداوى …يكتب
ضرورة العودة إلى الأكل الفلاحي لانه دفاعنا الأخير ضد التلوث الجيني والكيميائي
لقد أثّر التقدم الحضاري والتمدّن المتسارع سلبًا على صحتنا، فبينما ازدهرت علوم الصحة والزراعة، أصبح إنسان القرن الحادي والعشرين أضعف بنيانًا ومناعةً من أجداده الأوائل. والسبب يكمن في ابتعادنا عن “الأغذية الريفية” الأصيلة التي يسميها أهل مصر “البلدي” أو “الفلاحي”، واتجهنا نحو الأغذية الصناعية والمعاملة التي قد تشكل أكثر من 90% من محيطنا الغذائي.
إن الغذاء هو ركيزة بناء الجسم وحمايته، ولأن أكثر الأمراض السائدة اليوم هي أمراض غذائية بالدرجة الأولى، فإن العودة إلى الغذاء الريفي الطبيعي (العضوي) لم يعد خيارًا، بل ضرورة قصوى للحفاظ على الصحة العامة وتقوية جهاز المناعة.
ماذا نعني بالغذاء الريفي “البلدي”؟
الغذاء العضوي هو نتاج زراعة وتربية خالية تمامًا من التدخلات الكيميائية الاصطناعية أو التعديل الوراثي. إنه الغذاء الذي نشأ وترعرع عليه الفلاح المصري لقرون، والذي يتميز بما يلي:
* الألبان ومنتجاتها: الألبان الطازجة، والجبن القريش المصنوع منزليًا، والجميد (اللبنة)، والسمن والزبد الفلاحي، والمورتة الغنية بالنكهة والمواد الغذائية.
* الطيور والبيض: الطيور التي تربّت في حوش المنزل مثل الوز، والبط، والفراخ البلدي، والديك الرومي، والحمام البلدي وبيضها الطبيعي الغني.
* الحبوب والمخبوزات: خبز البتاو المخبوز من خليط دقيق الذرة والقمح، والكشك، والقرص، والفطير المشلتت المعدّ بالزبدة البلدي النقية.
* اللحوم الطبيعية: لحوم الأبقار، والجاموس، والجمال، والضأن التي رُعيت في المراعي الطبيعية وتغذّت على الأعلاف العضوية، دون إعطائها أي مضادات حيوية أو هرمونات نمو.
الأدلة من التراث: الغذاء الصحي في الطب النبوي ووصفات القدماء
الغذاء الطبيعي ليس موضة حديثة، بل هو أصل الحياة الصحية التي عرفتها الحضارات القديمة وتم التأكيد عليها في تراثنا الإسلامي:
1. الطب النبوي الشريف:
* العسل: أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم كـ”شفاء للناس”، وهو متوفر بكثرة في البيئة الريفية كمضاد طبيعي للميكروبات ومقوٍّ عام للمناعة.
* الألبان والتمر: تشير الأحاديث إلى أهمية الحليب الطازج والتمور كغذاء متكامل ومقوٍّ للجسم، وهي من المنتجات الطبيعية الريفية الأساسية.
* الزيتون وزيت الزيتون: ذُكرت شجرة الزيتون المباركة، حيث يُعرف زيت الزيتون البكر بكونه غنيًا بالأحماض الدهنية أحادية عدم التشبع مثل أوميجا-3، الضرورية لصحة القلب والأوعية الدموية.
2. وصفات القدماء المصريين:
* الخبز المخمّر والحبوب الكاملة: اعتمد القدماء على خبز القمح الكامل (البلدي) ودقيق الذرة في البتاو، وهي أطعمة غنية بالألياف والفيتامينات، بعيدة عن الدقيق المكرر الحديث.
* منتجات الألبان (الجبن القريش): عرف الفراعنة صناعة الجبن البسيط بالطرق البدائية التي تشبه صناعة الجبن القريش، والذي يُعد مصدرًا ممتازًا للبروتين والكالسيوم بأقل محتوى دهني.
* البليلة: كانت الحبوب المطبوخة (كالبليلة) وجبة أساسية، وهي مصدر طبيعي للكربوهيدرات المعقدة التي تمد الجسم بالطاقة المستدامة.
مقومات الغذاء الصحي الريفي المتكامل
الغذاء الصحي ليس مجرد الابتعاد عن الضار، بل هو وجبة متكاملة توازن بين عناصرها الرئيسية: البروتينات، والكربوهيدرات، والدهون، والفيتامينات، والأملاح المعدنية، والألياف، والماء.
فوائد تناول غذاء الريف المصري (الغذاء العضوي)
* 1. صحة أفضل بشكل عام:
* لأن هذا الطعام لا يحتوي على أي مواد كيميائية سامة، مبيدات حشرية، أو هرمونات صناعية قد تضر بصحة الإنسان على المدى القصير أو الطويل ،
* 2. محتوى عالٍ من مضادات الأكسدة:
* الأطعمة العضوية خالية من المواد الكيميائية التي تتفاعل مع الفيتامينات والمركبات العضوية. هذا يعزز من الآثار الإيجابية لمضادات الأكسدة، مما يساعد في الوقاية من أمراض القلب، والسرطان، وتأخير الشيخوخة المبكرة.
* 3. تحسين صحة القلب والأوعية الدموية:
* يزيد إطعام الماشية على العشب الطبيعي من كمية حمض اللينوليك المترافق (CLA) في المنتجات الحيوانية (اللحوم ومنتجات الألبان)، وهو حمض دهني صحي ومفيد لحماية القلب.
* يقلل من تناول الدهون المشبعة والزيوت الصناعية الموجودة في الأغذية المصنعة.
* 4. تقوية نظام المناعة ومقاومة الأمراض:
* لأن إنتاج هذا الغذاء لا ينطوي على استخدام المضادات الحيوية أو هرمونات النمو أو اللقاحات في تربية الحيوانات. هذا يمنع استهلاك هذه المواد بشكل غير مباشر، ويحافظ على قوة الجهاز المناعي.
* يساعد في مقاومة الإصابة بالأمراض عن طريق تكوين الأجسام المناعية المضادة.
* 5. تقليص التعرض للمبيدات الكيميائية:
* الأطعمة العضوية خالية من المبيدات الكيميائية التي ترتبط بالعديد من الأمراض والاضطرابات، مثل السرطان، واضطرابات الجهاز الهضمي، وضعف الجهاز المناعي.
* 6. استهلاك طعام طازج وغير معدّل وراثيًا:
* غالبًا ما يكون الطعام العضوي طازجًا ومليئًا بالنكهة لأنه لا يحتوي على مواد حافظة لإطالة مدة صلاحيته.
* يخلو تمامًا من الجينات المعدلة وراثيًا (GMOs).
* 7. طعم وجودة أفضل:
* المحاصيل تُمنح وقتًا أطول للتطور والنضج، ما يرفع من جودة وطعم الخضروات والفواكه والمنتجات الحيوانية.
* 8. دعم وظائف الجسم الحيوية:
* يلعب دورًا هامًا في نمو وحماية الجسم، وله دور كبير في المحافظة على صحة المرضى وتقليل فترة النقاهة.
* يساعد على سرعة تعويض الخلايا التالفة والتئام الجروح والكسور.
* يساعد على الحفاظ على الوزن المثالي للجسم.
نصيحة الختام
أنصحكم أيها القراء بالبعد قدر الإمكان عن الأغذية المصنعة والمعاملة، والعودة إلى هذا النمط الغذائي الريفي الصحي السليم. فالتوازن بين عمليات الهدم والبناء في الجسم، والحفاظ على الوزن المثالي، وتقوية المناعة، كلها تبدأ من طبقك الذي يجب أن يخلو من السموم الميكروبية والكيميائية والملوثات البيئية.
ابحث عن “البلدي”، ففيه سر صحة أجدادنا الفلاحين وقوتهم التي فقدناها اليوم.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى