سلطة الضبط، مهما تنوعت أدواتها، تظل محكومة بضمانات الحرية، لا تتجاوزها

كتب: إيهاب سليمان
الأربعاء١٤ـ١ـ٢٠٢٦ ٢:٣٠ص
أرست محكمة جنايات الجيزة، برئاسة المستشار الدكتور الفقيه محمد الجنزوري، قضاء محكما راسخا، ناطقا بعقل القانون لا بهوى الإجراء، قرر أن سلطة الضبط، مهما تنوعت أدواتها، تظل محكومة بضمانات الحرية، لا تتجاوزها إلا لتقع في دائرة الإثم الجنائي. فالشرعية الإجرائية ليست ستارا لاحقا، ولا وصفا ملصقا، بل أصل سابق لا يقوم إلا على سبب صحيح ودليل مشروع، وإلا انقلب الإجراء من حماية إلى اتهام.
ذلك أن القبض، وهو أخطر القيود على الحرية، لا يستقيم إلا بأمر قضائي مسبب أو بتلبس حقيقي تدركه الحواس، لا تلبس يروى ولا واقعة تنشأ بالتحرير. فإذا انتفى التلبس بطل القبض، وإذا بطل القبض انهار ما تفرع عنه، إذ الفرع يتبع الأصل وجودا وعدما.
ولما كشفت الأوراق الرسمية عن تعارض بين صورة الضبط المسطرة وحقيقة القبض الثابتة، تبين للمحكمة أن الشرعية لحقت الإجراء ولم تسبقه، فاهتز اليقين، وران الوهن على الدليل، وتفرق شذر مذر لا يقوى على إدانة.
وقد استندت المحكمة إلى الدستور وقانون الإجراءات الجنائية، واستقرت على أن التلبس وصف استثنائي لا يفترض ولا يتحايل عليه، وأن الشك إذا ران على الدليل وجب طرحه، ورد الاتهام إلى أصل البراءة.
وهذه المبادئ التي استخلصتها من حكم المحكمة على التفصيل التالي:
المبدأ الأول:
ولما كان القبض اخطر الابواب، فان لم يفتح بمفتاح الشرعية اغلق باثم البطلان. فالقبض بلا سبب سبب للاثم الجنائي، والاجراء ان ران عليه العيب تهاوى شذر مذر، وسقط البناء بسقوط الاساس.
المبدأ الثاني:
ولما كان التلبس مشاهدة لا مشافهة، وادراكا لا ادعاء، فان التلبس لا يخلق بالقول بعد الفعل، ولا يستدرك بالقلم بعد القبض. فاما تلبس يرى ويحس، واما بطلان يعلن ويفصل.
المبدأ الثالث:
في حين تزعم الرواية وتكذب المستندات، ويعلو المحضر ويخفت الدليل، فان التعارض اذا ران عليه الوهن اضحى الحق ضائعا بين قول منشأ وحقيقة ثابتة. والعدل لا يسير على قدمين مختلفتين.
المبدأ الرابع:
الاقرار ان لم يعضده يقين، كان صدى بلا صوت، وظلا بلا جسد. فان جحد من اول الطريق، ولم يجد شاهدا من الشرعية، انقلب عبئا لا بينة، وتحول من دليل الى دليل على الشك.
المبدأ الخامس:
ولما كان الشك نقيض اليقين، فان الجنائية لا تدان بالاحتمال، ولا تقام بالعاطفة. فاذا ران الشك على الدليل طرح الدليل، واذا اضطرب الميزان رد الاتهام.
المبدأ السادس:
سلطة الضبط خادمة للقانون لا سيدة عليه، تقدر اذا التزمت، وتهدر اذا تجاوزت. فحيث يحترم النص تصان الحرية، وحيث ينتهك النص يستولد الاثم الجنائي.
خلاصة المبدأ:
وحاصل القول، ان الحرية اصل، والتقييد استثناء، والاستثناء لا يفترض ولا يستعار. فاذا غاب السبب، وبان التلفيق، وتفرق الدليل شذر مذر،



