حين يُبرَّر الظلم، وتُذبح الأمانة باسم الحاجة

✍️ د. مؤمنه محمد طعيمة
حين يُبرَّر الظلم، وتُذبح الأمانة باسم الحاجة
في زمن أصبح فيه تبرير الخطأ أسهل من تحمّل المسؤولية، صارت الأمانة تُستباح، لا بقوة السلاح، بل بقوة الكلام، والحِيَل، وادّعاء الحاجة.
هذه ليست قصة شخص،
ولا تشهيرًا بمهنة،
بل حكاية حقيقية تتكرر كثيرًا، ورسالة وعي لكل من يسلّم ماله أو حقه:
خُد بالك… قبل ما الثقة تتحول لخسارة.
كثيرون يظنون أن حسن النية كافٍ، وأن الكلمات الطيبة ضمان، لكن التجربة أثبتت أن:
ليس كل من تكلّم عن الأمانة كان أهلًا لها.
ومن أخطر ما يمكن أن يقع فيه الإنسان، أن يُقابل ضياع الحقوق بمبررات تُخدّر العقل،
كأن يُقال:
«أنا مليش مرتب»،
فيُستباح بذلك مال من يعمل ويتقاضى راتبًا، وكأن وجود دخل للغير يجعل أموالهم مباحة،
وكأن الجشع يصبح حقًا حين يُغلّف بكلمة “احتياج”.
❗ وهنا وقفة مهمة جدًا لكل صاحب حق:
لا يجوز دفع أي مبلغ مالي تحت أي ظرف دون إيصال واضح ومُثبت.
ولا تقبل أبدًا عبارة:
«إنت مش واثق فيا؟»
أو
«الإيصال مش مهم»
أو
«إحنا بينا ثقة».
لأن الثقة الحقيقية لا تخاف من الورق،
ومن يرفض الإيصال، أو يضغط عليك نفسيًا لتدفع دون إثبات، فهو لا يبحث عن راحة الموكل، بل عن استغلاله.
وإن قال لك: «لو مش واثق فيّ مش هكمّل»
فالرد الصحيح هو: خلاص… وامشي فورًا.
لأن من يبدأ العلاقة بابتزاز الثقة، غالبًا يُجيد اللعب على مشاعر الموكل لا خدمته.
والأخطر من ذلك، أن تتحول القضايا إلى دوامة أوراق وعقود:
عقد يُكتب،
ثم يُفسخ،
ثم تُنقل القضية باسم آخر،
ثم تُفتح من جديد بأتعاب جديدة…
ليس بحثًا عن مصلحة صاحب الحق،
بل لاستنزافه مرة بعد مرة، حتى يجد نفسه وقد دفع أضعاف ما تخيّل، دون أن يدرك متى ولماذا.
وهنا يجب أن نقولها بوضوح:
الحق لا يتجزأ، والمال أمانة، واستغلال جهل الناس أو حاجتهم أو ثقتهم خيانة مهما تغيّرت المسميات.
أما من يظن أن ما يفعله “شُطارة” أو “لُعب قانونية”، فليعلم أن:
الله لا تُدار معه الحِيَل، ولا تُخفى عنه النيات.
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾
(سورة البقرة – 188)
وقال سبحانه:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾
(سورة إبراهيم – 42)
قد ينجو الظلم من الحساب زمنًا،
وقد تُغلق القضايا على الورق،
لكن الحساب عند الله لا يُغلق.
وفي الختام نقولها بيقين لا بحقد، وبإيمان لا بيأس:
حسبي الله ونعم الوكيل في كل من خان الأمانة،
وفي كل من تذاكى على الموكل باسم الثقة،
وفي كل من أكل حقوق الناس بالحيلة…
فالله لا يُخدع، ولا ينسى، ولا يترك حقًا بلا حساب.



