مقالات وآراء

المراهقة بين الخيال والواقع صدمة الوعي الأولى


✍️ رشا خضير
الأحد11يناير2026 02:20م
الجزء الثاني من التعامل مع المراهقين
المراهقة بين الخيال والواقع صدمة الوعي الأولى
ليست المراهقة مجرد مرحلة عمرية عابرة، بل هي لحظة فاصلة تتشكل فيها ملامح الشخصية الإنسانية. ففي هذه الفترة، يقف المراهق بين عالمين متناقضين: عالم الخيال الذي صنعه من الأحلام والتوقعات، وعالم الواقع الذي يفرض عليه قوانينه الصارمة دون استئذان. وبين الاثنين، تحدث الصدمة الأولى، صدمة الوعي بالحياة كما هي، لا كما نتمنى أن تكون.
يعيش المراهق في بداياته محاطًا بصور مثالية عن المستقبل؛ نجاح سريع، استقلال كامل، وفهم مطلق من الآخرين. لكن مع مرور الوقت، يبدأ في اكتشاف أن الواقع أكثر تعقيدًا، وأن الطريق إلى الأحلام مليء بالعقبات. هنا، يشعر الكثير من المراهقين بالارتباك، وقد يتحول هذا الشعور إلى قلق أو انطواء أو تمرد، في محاولة لفهم الذات والعالم من حولهم.
وفي هذا الإطار، يؤكد الدكتور أحمد حسن، أستاذ علم النفس التربوي، أن “الصدمة التي يتعرض لها المراهق ناتجة عن فجوة كبيرة بين التوقعات والواقع، وإذا لم يتم التعامل معها بشكل تربوي سليم، فقد تؤثر سلبًا على بناء الشخصية والثقة بالنفس”. ويشير إلى أن هذه المرحلة تحتاج إلى دعم نفسي أكثر من أي وقت مضى.
من جانبه، يرى الدكتور محمد عبد الرحمن، أستاذ أصول التربية، أن المؤسسات التعليمية تتحمل جزءًا كبيرًا من المسؤولية، موضحًا أن “المدرسة لا ينبغي أن تكون مكانًا للضغط فقط، بل بيئة آمنة تساعد المراهق على التعبير عن ذاته، بعيدًا عن المقارنات القاسية والنتائج الرقمية الجامدة”. ويؤكد أن احتواء الطالب أهم من تقييمه.
أما داخل الأسرة، فتبرز أهمية الحوار والتفاهم، حيث تقول الدكتورة سعاد محمود، أستاذة التربية الأسرية: “المراهق لا يحتاج إلى أوامر بقدر ما يحتاج إلى من يسمعه ويفهم مخاوفه، فغياب الحوار الأسري يزيد من حدة الصدمة، ويدفع المراهق للانسحاب أو البحث عن بدائل خاطئة”. وتشدد على أن الاحتواء هو الأساس لعبور هذه المرحلة بسلام.
ولا تتوقف صدمة المراهقة عند حدود النفس فقط، بل تمتد إلى العلاقات الاجتماعية، حيث يكتشف المراهق أن الصداقة قد تخذل، وأن الفشل ممكن، وأن المجتمع لا يسير دائمًا وفق العدالة المتوقعة. ورغم قسوة هذه الحقائق، إلا أن أساتذة التربية يرون فيها دروسًا ضرورية لبناء إنسان أكثر وعيًا وصلابة.
وفي الختام، تبقى المراهقة مرحلة اختبار حقيقي بين الخيال والواقع، صدمة مؤلمة لكنها حتمية. فحين يجد المراهق من يرشده ويفهمه، تتحول الصدمة إلى بداية نضج، ويتعلم أن الأحلام لا تموت، لكنها تحتاج إلى صبر ووعي وواقعية. وبين الخيال والواقع، يولد الإنسان القادر على مواجهة الحياة بثقة ومسؤولية.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى